يصرخ رجلٌ مكبل فوق نعش بلا غطاء ،يحمله رجالٌ يضعون قلوبهم في جيوبهم :
"أنا لست كناريّ ، ولا سمكة زينة ..
أنا روح قوية وقلب ينبض ".
-
تتجمع الغيوم ، يسقط المطر ..
العينان مسمرتان بذات الخواء .
-
يصل النعش إلى أعلى السفح
والرجال يقفون بعد مسيرة ألف صرخة .
الرياح واجمة ، الشموع إنطفئت ،
النعش على أعلى السفح .
-
تتناثر الأوراق من على المنضدة
العينان مسمرتان بذات الخواء .
-
مدّ الرجال إيديهم صوب السماء ،
تساقطت سبع ورقات صفراء
إلا واحدة .. يبدو لونها أقرب للجحيم .
إبتسمت الرياح .
-
النوافذ مفتوحة وصوت الرعد يهزّ المكان
العينان مسمرتان بذات الخواء .
-
قال الرجل المكبل :
" كانت صرخاتي تتناثر طوال الطريق ،
تصطف بجانب الصرخات السابقة ..
نحن المكبلون على نعش الظروف والأحكام المسبقة
والطرق المنحنية ، ندرك أننا خلقنا لنقاوم، لنفرد أجنحتنا! وحين إلتفت الحياة حول أجسادنا بشراسة ، كل ما كان بإمكاننا فعله هو الصراخ " .
-
يسقط كأس الماء على القصيدة السابعة
العينان مسمرتان بذات الخواء .
-
أدخل الرجال أيديهم في جيوبهم
وعلقو قلوبهم فوق شجرة قديمة .
هبط طائر أسود يحمل رسالته على لسانه :
"اشهدي يا جبالًا لا تموت ، ويا سماء لا تتزحزح ، ويا شجرة قديمة ممتدة الجذور .. على الأجنحة التي تدفن بدل أن تحلق ، على الشفاة التي تصرخ بدل أن تصدّر الفراشات والضياء ، على الذين يقتلعون الحياة والحب من الصدور ويعلقونها على الشجر "
حلقَ الطائر وقد أصبح لونه رماديًا .
-
ظلالٌ تجوب الغرفة بضجة ملحوضة
العينان مسمرتان بذات الخواء .
-
ينظر الرجال لبعضهم البعض بنظرات إستنكار جلية
قال أحدهم :
" لأن الواقع لا يمكن أن يكون قصيدة موزونة، أو أغنية آسره ، لأن الواقع ..واقع ، والحكايات السعيدة مجرد حكايات ، لأننا نتعامل مع الأمور بواقعها الخام ، دون أي أضافات شاعرية كاذبة.. لأننا نرفض أعمالكم الجنونية ، نحاول أن نقدمكم قربانًا لله لعلكم تكفرون بهذا عن سيئاتكم..لأننا نريد مصلحتكم وصلاحكم .. لا نجد منكم سوى الحرب الطويلة والإتهامات الباطلة ".
-
يُغلق الباب بقوة وتسقط أحد اللوحات المعلقة على الحائط .
العينان مسمرتان بذات الخواء .
-
يصرخ الرجل المكبل :
"لستم أوصياء علينا .. نحن لم نلقي بقلوبنا ، نحن أبقيناها في صدورنا ليعلم الجميع أن من خلقها هو وحده الوصيّ عليها ، تريدون أن يكون الكون نسخة منسوخة منكم؟ يا أعداء النهار والأرض والأعين المشدوهة ، يا أعداء الإبتسامات الصادقة وأكفّ الأصدقاء المتشابكة ، لو كان لأحدهم أن يُلقى قربانًا لنفرجت الأرض من نفسها لتلتقفكم فتنتقم من شركم! حين كانت أرضٌ واحدة تنبت أشكال الثمار والنعم .. كنتم وحدكم من يرفض حقيقة الكون بكل ذرة أنانية فيكم! ألقو بي .. سأموت ولكن أعدكم أنكم لن تسلمو من صرخاتي ، من حلمي الذي قتلتموه بلا أي ذنب سوى أنه كان يريد أن يكونَ شجرة خير وحب .. لها ظلها وثمارها وعصافيرها الملونة " .
-
صوت سقوط من السفح القريب .
أُغمضت العينان فسقطت أعمق دمعة
بقي أثرها محفورًا على كل أرجاء تلك الغرفة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق