19 مايو 2013





اكتبُ لك يا صغيري المسافر .. 
بقلبي الذي لم يعد في صدري 
منذ التاسع من يناير ..

اكتبُ لكَ ، وتزاحمني السماء ،والقمر على الورقة .. 
أنا لا اشتاقك وحدي
من خلال الوقوف أمام نافذتي كل مساء مختنق يمكنني أن ألحظ كيف أن البلاد كلها .. تفتقدُك معي

كل شيء كان يبكيك يا صغيري
الجدران ، الملامح ، إطار الصورة ، 
صوت الصباح ، الرفوف ، ومفاتيح الإضاءة .

أطبطب على رأس وسادتي تارة ، 
وأمسحُ الدموع التي على مرآتي تارة أخرى .

احتضنُ الشجرة الكبيرة على رأس الشارع الشرقي وأنا وحدي من يستطيع سماع نحيبها .. 
اتمتم في اذنها :

"لا بأس أنا أيضاً اشتاق له مثلك .. لا بأس ، سيعود .. سيعود يوماً ما ، كالمطر ..
يغسل الحزن والفقد والشوق والحنين .. 
لا بأس عليك يا شجرة الكستناء ، 
حبيبنا البعيد لن يكون بعيداً إلى الأبد ..
ربما ليس اليوم ، ولا غداً ، ربما ليس بعد شهر أو سنة .. لكنه سيعود .. سيعود يا شجرة الكستناء ". 

كيفَ حالكَ يا صغيري ؟ 

كيف حال ابتسامتك .. 
التي تعيدني للحياة كل مرة ؟ 
كيف حال عينيك .. 
التي تسرقني بين غمضة ودهشة ؟ 
كيف حال خطوط يدك ،
حيثُ الموطن الدافئ والحب والحرية ؟ 
كيف حال قلبك .. 
البقعة التي كُتبَ عليّ التيه فيها مليون مرة ؟ 

أنا مذهولةٌ جداً يا صغيري .. 
وهذه الحياة التي تروادنا عن نفسها .. 
فإن تبعناها اسقطتنا ، وإن امتنعنا عنها .. 
اسقطتنا ايضاً

أنا مذهولةٌ .. 
واتخبط بين حقيقة الغياب ، 
و زيف الحضور .. كل الحضور

تربكني هذه المفارقات 
التي ماتنفك تحاصرُ دهشتنا ... 
مشاعرنا ، عواطفنا ..

وأعدُّ على أصابعي المرات التي 
قررتُ فيها أن أنفض ضعفي ،
وأن أضع حداً لتجاوزات النايّ في عوالم الزرقة ،
فما ألبث أن تهتز مفاصلي مثل عجوز ثمانينيّ نهش الروماتيزم ما تبقى فيه من صلابة

وآهٍ يا صغيري ..

ولا تظن أن هذان الحرفان لا يتجاوزان مكانهما على سطر هذه الرسالة !، بل إنهما ليشكلان معضلة الوجودية النسبية .

ألم تسمع من قبل بالوجودية النسبية
أن يلد حرفان من بين تلال التوت .. 
بهذه الحدة ، بهذا الإلتهاب ، بهذا الوجع ؟ 

لا يوجد شيء بهذا الاسم يا صغيري سوى 
في الـ ( آه ) .. في هذين الحرفين فقط

اتتذكر يا صغيري ..
زهور الساكورا ؟ 
وطفلة الربيع ؟ 
أنا اتذكرها جيداً .. 
أتذكر كيف كان صوت الرياح .. 
وكيف كان لون الأفق .. 
وتلك التفاصيل الممزوجة بعطر الذكريات الرقيق الدافئ .. 

تتذكر .. 
يناير ؟ الساعة التاسعة ؟ 750 ؟ 
الرجفة ؟ الخوف اللذيذ ؟ الأصابع المرتعشة ؟ 
النسمات الباردة ؟ والصندوق السكري ؟ 

أنا لا يمكن أبداً أن انسى يا صغيري
كيف لا .. وتلك التفاصيل محفورةٌ في شراييني .
كالقدر المحتوم /المحروم .

" مالا يقتلك .. يجعلك أقوى ! "
ماذا عن الذي يقتلني مرات ومرات ؟ 
لقد علمتني كل شيء .. إلا هذا
لقد رحلت دون أن تعلمني .. 
كيف لمكسور الأجنحة أن لا ينظر للأرض بحقد
يذيب كل ماتبقى من أمل في قلبه
لقد رحلت دون أن تخبرني .. 
هل حقاً الرسائل التي يبعثها التائهون في الجزر المهجورة عبر القناني الزجاجية .. تصل ؟
 أم أن وصول الموت يبدو مؤكداً أكثر من أي أحد !؟ 
لقد رحلت .. دون أن تنبهني مسبقاً
أن للمستقبل قدرة مذهلةً على أن يبدو موحشاً ضئيلاً مرعباً إلى هذا الحدً


سأتذكر دائماً يا صغيري 
أن حبات الرمال يمكن أن تتحول إلى لؤلؤ 
بعد أن تفرزُ عليها الحياة أثواباً لا تعرفها ، 
بعد أن تقف أمام المرآة وترى وجهاً لا يشبهها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق