اكتبُ لك يا صغيري المسافر ..
بقلبي الذي لم يعد في صدري
منذ التاسع من يناير ..
اكتبُ لكَ ، وتزاحمني السماء ،والقمر على الورقة
..
أنا لا اشتاقك وحدي .
من خلال الوقوف أمام نافذتي كل مساء مختنق يمكنني أن
ألحظ كيف أن البلاد كلها .. تفتقدُك معي .
كل شيء كان يبكيك يا صغيري !
الجدران ، الملامح ، إطار الصورة ،
صوت الصباح ، الرفوف ، ومفاتيح الإضاءة
.
أطبطب على رأس وسادتي تارة ،
وأمسحُ الدموع التي على مرآتي تارة أخرى
.
احتضنُ الشجرة الكبيرة على رأس الشارع الشرقي وأنا وحدي
من يستطيع سماع نحيبها ..
اتمتم في اذنها :
"لا بأس أنا أيضاً اشتاق له مثلك .. لا بأس ، سيعود
.. سيعود يوماً ما ، كالمطر ..
يغسل الحزن والفقد والشوق والحنين ..
لا بأس عليك يا شجرة الكستناء ،
حبيبنا البعيد لن يكون بعيداً إلى الأبد
..
ربما ليس اليوم ، ولا غداً ، ربما ليس بعد شهر أو سنة ..
لكنه سيعود .. سيعود يا شجرة الكستناء ".
كيفَ حالكَ يا صغيري ؟
كيف حال ابتسامتك ..
التي تعيدني للحياة كل مرة ؟
كيف حال عينيك ..
التي تسرقني بين غمضة ودهشة ؟
كيف حال خطوط يدك ،
حيثُ الموطن الدافئ والحب والحرية ؟
كيف حال قلبك ..
البقعة التي كُتبَ عليّ التيه فيها مليون مرة ؟
أنا مذهولةٌ جداً يا صغيري ..
وهذه الحياة التي تروادنا عن نفسها ..
فإن تبعناها اسقطتنا ، وإن امتنعنا عنها
..
اسقطتنا ايضاً .
أنا مذهولةٌ ..
واتخبط بين حقيقة الغياب ،
و زيف الحضور .. كل الحضور .
تربكني هذه المفارقات
التي ماتنفك تحاصرُ دهشتنا ...
مشاعرنا ، عواطفنا ..
وأعدُّ على أصابعي المرات التي
قررتُ فيها أن أنفض ضعفي ،
وأن أضع حداً لتجاوزات النايّ في عوالم الزرقة ،
فما ألبث أن تهتز مفاصلي مثل عجوز ثمانينيّ نهش
الروماتيزم ما تبقى فيه من صلابة .
وآهٍ يا صغيري ..
ولا تظن أن هذان الحرفان لا يتجاوزان مكانهما على سطر
هذه الرسالة !، بل إنهما ليشكلان معضلة الوجودية النسبية .
ألم تسمع من قبل بالوجودية النسبية !
أن يلد حرفان من بين تلال التوت ..
بهذه الحدة ، بهذا الإلتهاب ، بهذا الوجع ؟
لا يوجد شيء بهذا الاسم يا صغيري سوى
في الـ ( آه ) .. في هذين الحرفين فقط
.
اتتذكر يا صغيري ..
زهور الساكورا ؟
وطفلة الربيع ؟
أنا اتذكرها جيداً ..
أتذكر كيف كان صوت الرياح ..
وكيف كان لون الأفق ..
وتلك التفاصيل الممزوجة بعطر الذكريات الرقيق الدافئ
..
تتذكر ..
يناير ؟ الساعة التاسعة ؟ 750 ؟
الرجفة ؟ الخوف اللذيذ ؟ الأصابع المرتعشة ؟
النسمات الباردة ؟ والصندوق السكري ؟
أنا لا يمكن أبداً أن انسى يا صغيري
.
كيف لا .. وتلك التفاصيل محفورةٌ في شراييني
.
كالقدر المحتوم /المحروم .
" مالا يقتلك .. يجعلك أقوى ! "
ماذا عن الذي يقتلني مرات ومرات ؟
لقد علمتني كل شيء .. إلا هذا !
لقد رحلت دون أن تعلمني ..
كيف لمكسور الأجنحة أن لا ينظر للأرض بحقد
يذيب كل ماتبقى من أمل في قلبه !
لقد رحلت دون أن تخبرني ..
هل حقاً الرسائل التي يبعثها التائهون في الجزر المهجورة
عبر القناني الزجاجية .. تصل ؟
أم أن وصول الموت يبدو مؤكداً أكثر من أي أحد !؟
لقد رحلت .. دون أن تنبهني مسبقاً
أن للمستقبل قدرة مذهلةً على أن يبدو موحشاً ضئيلاً
مرعباً إلى هذا الحدً .
سأتذكر دائماً يا صغيري
أن حبات الرمال يمكن أن تتحول إلى لؤلؤ
بعد أن تفرزُ عليها الحياة أثواباً لا تعرفها ،
بعد أن تقف أمام المرآة وترى وجهاً لا يشبهها
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق