22 مايو 2013



المكان :

شارعٌ مهجور ..
فيه ثلاثة قلوب .. احدهما مثقوب ،
وآخر شاحب ، والأخير ممزقٌ تكادُ ملامحه تتلاشى .
عين بلا أجفان .. لا يزال بؤبؤها يتحرك ..
واصابعُ متفرقة على إمتداد الرصيف ..
ضحكات التجار المحشورة ، بين كل حجارتين رماديتين ،
ودموع قد شكلت مستنقعاً تعوم عليه ثلاث رسائل ..
لم يتضح منها سوىَ كلمة واحدة - يقال انها : خيبة ، وفي روايه : خذلان . المؤكد انها تبدأُ بحرف الـ ( أخ ) ! - .

الشخصيات :
جدارٌ متصدع ..
عمود إناره ..
فمٌ خاضعٌ لكبرياء صاحبة ..
دمية مفككة الأطراف .
غيمة علِقَ طرفها في احد النوافذ .
ومنديل ابيض قد انتصفه ثلاث قطرات حمراء .
و رصيف مكبوت .


" يا الله .. فك أسري ، انتشلني من هذه المقبرة ، يا الله .. وهذا المكان المريع .. تساوىَ سطحه و قاعه ، اعتقني يا الله من هذا السواد ، فأعود لموطني الأزرق " استمرت الغيمة في المناجاة ..

إنظمّ لها صوت أجشّ من عمود إنارة مهترئ :

"لو كان للصوت مَلَكة الأيادي الممتدة .. لو أن الصوت عندما خلقهُ الله من موجات مغناطيسية قد منحهُ قوة الجذب والتنافر .. لو ان الصوت تجسدَ لأعين الساهدين الفاقدين على هيئة أمل او قصيدة رثاء .. لو ان للصوت الإنسلاخ من الذاكرة كما ينسلخ وفاء العشرة من قلوب الجفاة .. لو أن ..." واستمر في التحسر ..

قاطعهما تهكم حادّ من صدع في جدار يوشك على النوم إلى الأبد :
" في البلاد التي لا يستطيع ان ينام فيها الحكّام ليس لشيء فقط لأنهم أثقلوا العشاء في تلك الليله ، في البلاد التي ترتدي اللحية صباحاً ، وترقد مع ابنة الجيران ليلاً .. في بلاد تتوج نفسها وصيّة على الخلق ، وماهي سوىَ تابعة مستترة خلفَ الدين . كيف ترتجي للصوت مسلكاً سوىَ التلاشي ، سوى العدم ! "

تمنت الأعين في تلك اللحظة أن تملك أجفاناً ،
ان تملكَ القدرة على الاغماض ،
أن تفرّ من وحشة الواقع إلى احد الأحلام المظلمة .

الدمية تعلقُ انظارها نحو السماء ،
وتنطقُ بإيجاز :
" الأصوات تتلاشى في العدم ، إن توجهت الى الأرض "

وبإيمان يرفرف المنديل ببقعه الحمراء .

يبصق الفم الخاضع لكبرياء صاحبه على الدموع التي شكلت مستنقعاً ، ثم يقول بإزدراء المخذولين :
"الأصوات تتفاوت بين الصدق والكذب والخضوع ، وحدها القلوب تصدق !
وحدها تملك القدرة على التمرد ، والندم ، والاعتذار .. "

يتوقف برهة ، تباغتهُ الذكريات ثم يتمتم :
" نحنُ الخاضعون للكبرياء ، نظن أننا نحمي قلوبنا من عبث المشاعر ، ومافعلنا في الواقع سوىَ أننا قتلناها مليون مرة . "

وتستمر الغيمة العالقة في المناجاة .

نطقَ المنديل وهو لا يزال يرفرف :
" في لحظة سكونك تشعر أن الكون كله يعيش السلام والحياة المستقرة ، تجهلُ أنّ علب المناديل لم توجد فقط لتزيين الغسالات ، أو لمسح "الماكياج" ، تجهل أن المناديل تشارك الوجنتين حرقة الدموع ، تستشعر البؤس والقهر والحزن .. تمسح الدماء والأذى والخدوش والغبار ، وتتبلل بذنوب غيرها في كل مرة ، ثمّ تُلقى دون أن يشكرها أحد "

يتنحنح الرصيف ، يسعل ،يتكئ على صوته المكبوت :
"تجتاحك الخطوات ، و بقايا علك الرمان ، وتعرف هذا الرجل من طبعة حذاءه ومقاسه .
 تعرفُ مزاجه من تثاقل قدميه .. تعرف طعم بكاء الفقراء ، ومعنى بؤس الأثرياء ..
تعرفهم جميعاً .. ولا أحد يعرفك " .

" والحرب ؟ " - يصرخ الصدع- :
ماذا عن الحرب التي يعلمُ الجميع أنك الطرف المظلوم فيها ؟ التي يتآمر بها كل من حولك .. تتلقى القذائف من كل جهة .. ولا يصلك من العالم سوى التعازي والدموع ! أصمتو يا هؤلاء ! فنحيبكم لن يجدينا ! لن يمحي ذعر أطفالنا ، لن يعيد شهداءنا ، لن يبني منازلنا ، لن يرمم أرواحاً شهوتها الحرب قبل الأجساد . الحرب ! ماذا عنها ؟ حتى الموت ذاته ينفر من ذكرها ، يتأفف ، يتسخط ، يحزن .. الحرب هي أعظم فقد في الكون كله ، فقد الحياة ، فقد الروح ، فقد الأمان ، فقد الإنسانية "

تهتز الغيمة ، ويسقط المطر . 

هناك تعليق واحد:

  1. كعادتكِ اخترتِ كلمات رنانة! تجعل من خيالنا -دون انتباهنا- مسرحًا للأحداث، تفتحه كلماتكِ.. وتسدل ستائره كذلك..
    أترين الطفل الذي يتابع مسرحيته تلك بشغف، ومذ تنتهي يمشي في الزقاق ويخاطب المارة، يخبرهم بما رأى؟ ذاك أنا.. والمارة أفكاري، مشاعري، أشخاصي!

    شهْد العصيمي

    ردحذف