أقف على الأثير .. وصدري يتساقط مثل شعر أحرق جذوره العلاج الكيماوي ..
وأنا مفجوعة مثل مريضة بالسرطان بدأت الحياة تصغر في عينيها فجأة !
أمد يدي عبثًا علّي ألملم شيئًا يسيرًا من مابقي لي من قلب ومشاعر لم يفتك بها الذبول بعد .
أتنبأ بشناعة القادم وأنا ألمح هذه الضحكة الخائفة ، المرتعدة .. وبأصابعي النحيلة المرتجفة أحاول أن أدثّرها
" سيكون القادم مريعًا " - "لماذا تقولين هذا !!؟ " - " المرآة أخبرتني " .
تقول المرايا حديثًا سطحيًا وساذجًا ، لكن عند ما يتعلق بالمستقبل فهي العرافة الوحيدة .
تكتبُ المرآة في كل صباح أحداث يومنا ومشاعرنا كلها ، لكننا ننشغل عن قراءتها في هدر أعمارنا
مابين العمل والدراسة ، وتربية الأبناء ..
كنتُ أسأل العرافة الغجرية :
- ماذا كانت تفعل الطفلة حتى تصبح عرافةً عندما تكبر ؟
- تقرأ المرآة .
همست لي العرافة بأحد الأسرار التي أخبرتها بها المرآة :
"نلبس غشاءًا على أعيننا منذ لحظة استيقاظنا صباحًا
ولا نخلعه إلا وقت النوم ، ولذلك يكون عالم الأحلام جميلاً ،
وعندما يراودك كابوس فهذا يعني أنك نسيت أن تخلع الغشاء عن عينيك اثناء ذهابك إلى السرير.
الغشاء يجعلك تغرق في كل التفاصيل ماعدا تفاصيلك ..
تتخبط في أحداث اليوم دون أن تأبه لتبدل قلبك ..
وتتعثر في أمنياتك أثناء رحلة تعاستك الطويلة دون أن تنحني لتلتقطها
وأمور كثيرة تهدر على قارعة الحياة .. مثل الحب ، والفراشات ، والأحلام ، وصوت الناي ..
وهذا الغشاء اللعين يسيطر ويمتد حتى تتعدى سلطته الفم ، فيصبح للكلام خطوط حمراء غير وهمية ،
ممتدة إلى آخر قطرة من مباحات الحياة ، ليصبح النطاق أضيق وأضيق ".
-
وقفتُ أتأمل لوحة إعلانية كبيرة كتب عليها " مٌد يدك " !
دون أشعر مددت يدي وعلى وجهي تعابير بلاهة واضحة ، لا شيء طبعًا سوى الهواء والخواء ..
ولما هممت لقبض يدي والعودة إلى أدراجي ..
لاحظته هناك ، يبيع القصائد والدعوات ، لعله يجني ما يسد به عين سيده الشره
بثوبه المتسخ الفوضوي وبشرته الشاحبة الحالكة ، وحاجبيه المقطبين بسبب شمس الظهيرة ..
استوعبت حينها أنني فقط مددت يدي في المكان الخطأ .
نقول أن أوضاع البلاد على أفضل مايكون ، لأننا ولدنا واللقمة في أفواهنا ..
إن كان محيطك يعيش في الظل ، فهذا لا يعني أنه ليس هناك من أحرقته الشمس !
نحن فقط لم نمد أبصارنا نحو المكان الصحيح.
-
أوضب شتات الرؤية وضبابيتها ..
أجلس في أعلى نقطة لأراقب ضياعي بشكل أوضح ..
ماذا عن الحقيقة ؟ ودرب الجحيم المعبد بالنوايا الحسنة ؟
الذين يبتسمون في الظل ؟ ويحركون حياتك مثل دمية مغيبة ؟
يقول بقناع الدين واللحية : التساؤلات والبحث العميق يؤدي إلى الغرق .
لقد كان يهددني.
منذ أن قررت الإنتصاب من بدّ الجمع الغفير الراكع ..
صرت ألمح نورًا بين طيات التساؤلات الملحة ..
لكن سقفًا بُني بهذه الطبقات من الإستغفال والتغييب والكذب والتآمر
لن تستطيع هدمه بسهولة .
المهم أن تضل تؤمن أنه مجرد سقف إسمنتي مكدس وليس السماء.
كانت تعاديني الوجوه الملمعة ، هل قلت أن الوجوه " المرطاء" تستفزني؟
كل تلك النظرات كانت موجهةٌ نحو جسدي !
" حريتك هي أن تكوني شفافة للعيان، وأن يملكك الجميع"
صرخت بغضب " بل حريتي هي أن لا أركع لشهواتك" وركضت حينها بكل جوارحي ..
ألتقطت أنفاسي تحت جسر مهمل عند مجرى نهرٍ قصير
ألتفتت إلي عجوز يكتسيها الوقار .. نظرت في عيني وعلى وجهها إبتسامةٌ حنونة :
"مهما كنتَ قريبًا يلقي بك الهرب إلى أبعد نقطة ، وكلما زادت فوهة الصدمة ، كانَ ذلك علامة على تصدع السقف .. لا تهربي من الحقيقة مهما كان وجهها قبيحًا مليئ بالندوب .. المهم أن يكون قلبك مرتاحًا .. وحينها ستتحول تلك الندوب إلى وضاءة وجمال".
-
لازلت أتوق إلى زرقة السماء
إلى ماء السماء ، إلى هواء السماء
وأخيط حبال أرجوحة طويلة بحلمي الملون..
سأكسر السقف المتين بالحقيقة ،
وأعانق الغيمة على متن الأرجوحة الطويلة.
إنني أُحذر الجو المتقلب ، والعيون الماكرة ،
أُحذر الكاذبين والمزورين ،
أُحذر العابثين بالقلوب البريئة ،
لأنني بالسلام والحب والأحلام
سأكسر السقف المتين
وأعانق الغيمة على متن الأرجوحة الطويلة.